عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

30

اللباب في علوم الكتاب

مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [ الأحقاف : 26 ] وأما مكنّا له فمعناه جعل له مكانا ، ومنه : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ [ الكهف : 84 ] أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ [ القصص : 57 ] « 1 » . ومثله « أرض له » أي : جعل له أرضا ، هذا قول الزمخشري « 2 » - رحمه اللّه تعالى - وأما أبو حيّان « 3 » - رضي اللّه عنه - فإنّه يظهر من كلامه التّسوية بينهما ، فإنّه قال : وتعدّي « مكّن » هنا للذّوات بنفسه وبحرف الجرّ ، والأكثر تعديته باللام [ نحو ] « 4 » مَكَّنَّا لِيُوسُفَ [ يوسف : 21 ] إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ [ الكهف : 84 ] ، أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ [ القصص : 57 ] . وقال أبو عبيدة « 5 » : « مكّنّاهم ومكّنّا لهم : لغتان فصيحتان ، نحو : نصحته ، ونصحت له » وبهذا قال أبو علي والجرجاني . قوله : « ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ » في « ما » هذه خمسة أوجه « 6 » : أحدها : أن تكون موصولة بمعنى « الّذي » ، وهي حينئذ صفة لموصوف محذوف ، [ والتقدير : التمكين الذي لم نمكّن لكم ، والعائد محذوف أي : ] « 7 » الذي لم نمكّنه لكم . الثاني : أنها نكرة صفة لمصدر محذوف تقديره : تمكينا ما لم نمكّنه لكم ، ذكرهما الحوفيّ رحمه اللّه تعالى « 8 » . وردّ أبو حيّان « 9 » - رحمه اللّه تعالى - الأوّل بأنّ « ما » بمعنى « الذي » لا تكون صفة لمعرفة ، وإن كان « الذي » يقع صفة لها ، لو قلت : « ضربت الضّرب ما ضرب زيد » تريد الضرب الذي ضربه زيد ، لم يجز ، فإن قلت : « الضّرب الذي ضربه زيد » جاز . وردّ الثاني بأن « ما » النكرة التي تقع صفة لا يجوز حذف موصوفها ، لو قلت : « قمت ما وضربت ما » وأنت تعني : قمت قياما ما وضربت ضربا ما لم يجز . الثالث : أن تكون مفعولا بها ل « مكّن » على المعنى ، لأنّ معنى مكّنّاهم : أعطيناهم ما لم نعطكم ، ذكره أبو البقاء « 10 » - رحمه اللّه - . قال أبو حيّان « 11 » - رحمه اللّه - : « هذا تضمين ، والتّضمين لا ينقاس » . الرابع : أن تكون « ما » مصدريّة ، والزّمان محذوف ، أي : مدّة ما لم نمكّن لكم ، والمعنى : مدّة انتفاء التمكين لكم .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 6 . ( 3 ) البحر المحيط 4 / 81 . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) ينظر : مجاز القرآن 1 / 86 البحر المحيط 4 / 81 . الدر المصون 3 / 10 . ( 6 ) ينظر : الدر المصون 3 / 10 البحر المحيط 4 / 81 . ( 7 ) سقط في ب . ( 8 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 81 الدر المصون 3 / 10 . ( 9 ) انظر المصدرين السابقين . ( 10 ) ينظر : الإملاء 1 / 235 الدر المصون 2 / 11 . ( 11 ) البحر المحيط 4 / 81 .